"بتكوين" لتجنب سلسلة من الصعوبات

David El Achkar, Mar 19 2014

إسمحوا لي بأن أبدأ كلامي بسرد قصة.

لقد وصلت لتوي إلى دبي في رحلة عمل من بيروت. وبمجرد أن استقليت سيارة أجرة لأغادر المطار، أدركت بأنني نسيت تصريف النقود للحصول على الدراهم المحلية. كل ما أملكه بالعملة المحلية هو 50 درهم. سألت سائق سيارة الأجرة إذا ما كان يقبل تقاضي أجرته ببطاقة إئتمانية ولكن لم يحالفني الحظ. وبعد أن وصلت، أعطيت السائق المبلغ الوحيد المتوفر معي على مضض وأعاد لي 20 درهم.

وسرعان ما شعرت بحاجة إلى شرب شيء ما. توقفت أمام محلّ صغير جداً في المتجر لشراء مياه. أعطيت صاحب المحل 20 درهماً. فنظر إليها وقام بثنيها ومن ثم رفعها أمام نور الشمس وأصدر صوتاً غريباً وأعادها إلي.

قال: "هذه العملة مزورة."

أجبت: "ماذا تقصد بأنها مزورة؟ لقد حصلت عليها لتوي من سائق الأجرة. من المستحيل أن تكون مزورة."

أجابني: "إنها مزورة!"

فأعطيته بطاقتي الائتمانية وأخذها على مضض وكان المبلغ 1.5 درهم. لقد أزعجنا واحدنا الآخر عن غير قصد.

وفيما كنت أغادر، تلقيت اتصالاً من أختي. أنا سعيد بأنها في عطلة لتسافر وتسترخي. ولكنها تبدو في مشكلة كبيرة.

"ماذا؟ فقدت حقيبتك على متن القطار؟...وفي داخلها كل ما لديك من المال والبطاقات الائتمانية؟...بالطبع سأقرضك بعض المال. سأتوجه إلى المصرف حالاً. سأعاود الاتصال بك قريباً."

تغيّر في الخطط. لا بد من العثور على مصرف في أسرع وقت ممكن. بدأت أركض وأنا أراقب وجود أي مصرف. وبمجرد أن عثرت على واحد، توجهت فوراً باتجاه المدخل ولسوء حظي من جديد اصطدمت بالباب الزجاجي!

إنها الساعة السابعة صباحاً ولم تفتح المصارف أبوابها بعد! حسناً سأتوجه إلى "ويسترن يونيون" ولكنني لست متحمساً لدفع رسوم التحويل الباهظة بجنون...ولكن لا خيار آخر أمامي....

وبعد أن أتممت المهمة، أرسلت تفاصيل التحويل إلى أختي. والآن حان وقت الاسترخاء في الفندق ومشاهدة فيلم جيد. وفجأة سمعت هاتفي يرن، تلقيت رسالة نصية. فقلت في نفسي "هذه أختي، سريعة الاستجابة!" فالتقطت هاتفي لأقرأ الرسالة.

"تمت الموافقة على عملية من خلال بطاقتك الائتمانية المنتهية ب6964 قيمتها 6,216.75  في THAIMAZON.CO في تايلاند" (أنا مشترك في خدمة الحصول على إشعارات الدفع باستخدام البطاقة الائتمانية عبر الرسائل النصية)

وها أنا علي تمضية الأمسية مع قسم دعم عملاء "فيزا" بهدف إلغاء بطاقتي واستعادة أموالي...

"بتكوين" يجعل الأساطير مملّة...

هل لاحظت ما حدث؟ لا أقصد الأحداث السيئة التي اجتزتها طيلة النهار بل أقصد مدى ضعف بنيتا المالية بأسرها!

أنا قادر على إجراء اتصال فيديو مع أي إنسان في أي مكان في العالم مجاناً ولكنني غير قادر على إرسال الأموال من دون الاضطرار إلى الانتظار على الخط أو دفع رسوم تحويل تفوق الخيال! ولا تقتصر المحنة على التحويلات المالية، بل تشمل أيضاً رسوم البطاقات الائتمانية التي يدفعها أصحاب المحلات وقصص سرقة الهوية التي لا تعد ولا تحصى، فترى الناس يكافحون للحصول على وسيلة لتوافر النقود على الانترنت.

لنعد سرد القصة من جديد، ولكن هذه المرة لنسرد الأحداث بالطريقة التي يفترض بها أن تحدث في إطار حضارة متقدمة تكنولوجياً.

خرجت من المطار واستقليت سيارة أجرة. التقطت هاتفي وقمت بمسح رمز الاستجابة السريع (رمز شبيه بالباركود) لحساب "بتكوين" الخاص بالسائق الموجود على لوحة القيادة وحوّلت له المبلغ المتوجب علي بنقرة زر.

ومن ثم ذهبت إلى المتجر لأجلب قنينة مياه. حوّلت 1.5 درهم مقابل القنينة (رمز الاستجابة السريعة مطبوع أمام عامل الصندوق). فتلقّى صاحب المحل في غضون ثوان رسالة نصية على هاتفه نوكيا القديم للتأكيد على إتمام المعاملة.

وفيما كنت أغادر تلقيت اتصالاً من أختي ولكن هذه المرة هي في منتهى اللّطف والراحة. آه صحيح والسبب هو أنه لا يمكن أن تفقد محفظتك الرقمية كونك قادر دائماً على تخزين نسخة احتياطية. ماذا تريد إذاً؟

"دايف ، ليس لدي المال الكافي للرحلة هل بإمكانك أن تقرضني بعض المال؟"

جلست على جانب الطريق وفتحت حاسوبي. (أنا لا أحبّذ تخزين كمية كبيرة من الأموال على محفظتي الهاتفية). فنفذت إلى حسابي الأكبر وحوّلت 10,000 درهم تماماً بسهولة تحويل 1.5 درهم. أتمت المهمة بنقرة زر.

وسرعان ما تلقيت رسالة نصية من أختي: "لقد استلمت المال. شكراً جزيلاً!"

ما هو هذا الابتكار "بتكوين" الذي نتكلم عنه؟

في الواقع، البساطة هي الميزة التي تأتي في المقام الثاني بعد الابتكار القوي الذي يجري خلف الكواليس. أنا أتكلم عن "بتكوين": إنه تقنية تسمح بلا مركزية العملة الرقمية. إنه شبكة دفع سريعة وآمنة وبروتوكول دفع بديل. هذا هو تعريف "بتكوين" الشامل، لننقتل إلى التفاصيل الآن.

"بتكوين" عملية رقمية لا مركزية. إنه نوع من أنواع الأموال النقدية وهدفه بالأساس تحويل العالم إلى بقعة معولمة ورقمية حيث أصبحت العملات الورقية ومنتجاتها ذات الصلة (البطاقات الائتمانية) غير فعالة. تسلّط قصتي الضوء على بعض هذه المشاكل (فقط): سرقة الهوية والحاجة إلى تحويل العملات وتزييف النقود.

"بتكوين" شبكة دفع سريعة ومجانية. إنه شبيه بشبكة البريد ولكنه مخصص لإرسال الأموال عوضاً عن إرسال الرسائل الإلكترونية. من خلال شبكة "بتكوين"، بإمكانك إرسال أي مبلغ من  المال إلى أي مكان في العالم بشكل فوري وشبه مجاني. وتماماً كالبريد الإلكتروني، عليك أن تضع عنوان المتلقي والمحتوى (أي المبلغ في حالة "بتكوين") وأن تنقر على زر الإرسال. المهمة أتمت.

"بتكوين" هو بروتوكول دفع بديل. وهذا أحد جوانب "بتكوين" الأكثر تقدماً: المال القابل للبرمجة. بما أن "بتكوين" يستند إلى الرموز- وعلى مستوى أساسي جداً، إنه برنامج حاسوبي- بإمكان أي كان إضافة خصائص جديدة. تماماً كالتطبيقات على متجر AppStore ، إذا كان أحدهم قادراً على التفكير بخاصية جديدة بإمكانه إضافتها إلى بروتوكول "بتكوين".

"بتكوين مهم جداً"، لماذا؟

سواء كان ما ورد آنفاً يشدّك أو لا يشدّك، في نهاية المطافة السبب هو العنصر الأهم. لم لا بد من أخذ "بتكوين" بعين الاعتبار؟ لم لا بد من أن يبدأ الناس باستخدامه؟ لم لا بد من أن يقبل البائعون بالتعامل ب"بتكوين". الخ.

قليلون هم الملون بآلية عمل لغة البرمجة HTML وبروتوكول TCP/IP وكيفية عمل محرّك نفاث وحتّى آلية عمل شبكة البطاقات الائتمانية ولكن هذا لا يمنعنا من تصفح الانترنت ولا من ركوب طيارة ولا من استخدام بطاقاتنا الائتمانية. بالمثل نحن لسنا بحاجة إلى فهم آلية عمل "بتكوين" لتقدير الفوائد والتطبيقات التي يقدمها واعتماده كوسيلة دفع من الآن فصاعداً. لهذا السبب "بتكوين" مهم جداً.

"بتكوين" مهم جداً. لماذا؟ وباختصار...

إنه منفتح على الجميع. أي شخص قادر على النفاذ إلى جهاز متصل بالشبكة قادر على الاستفادة من "بتكوين" بالإضافة إلى جميع الخدمات التي يوفرها تماماً كالتطبيقات على جهاز الآيفون.

إنه وسيلة فعّالة لجميع الأفراد الذين لا يملكون حساباتهم المصرفية الخاصة أو أولئك ذوي الخدمات المالية الضعيفة والذين يمثّلون غالبية سكان العالم. فيتجاهلهم القطاع المالي وتراهم مجبرين على العيش في مجتمع يتعامل بالنقد فقط. ولكن بما أنهم يملكون الهواتف الخليوية بغالبيتهم، لم تعد هذه المسألة بمشكلة.

إنّه وسيلة فعّألة أيضاً لكل شخص يرغب في إطلاق أعماله ولكنه غير قادر على تحمّل أعباء وكلفة هذه المهمة (على سبيل المثال، فتح حساب مصرفي تجاري يقتضي بطاقات ائتمانية ويفرض رسوم تحويل عالية الخ.)

إنه سريع وشبه مجاني. سواء كنت ترسل 1$ لشخص يقف أمامك أو ترسل 1,000,000 لشخص موجود في قارة أخرى، التحويل شبه فوري والتكلفة لا تذكر. فلا تنس أنك ترسل بتات من البيانات.

إنه آمن. لا يمكنك الاحتيال على تشفير عسكري المستوى، وهي التقنية التي يستند إليها "بتكوين".

إنه لا مركزي أو الند للند. عمل "بتكوين" غير مرتبط بأي سلطة مركزية بل هو مدعوم من قبل الجميع على الشبكة-كما هو الحال بالنسبة إلى الانترنت.

وهذا أمر مهم في عدد من المسائل كالخضوع لساعات عمل المصارف (شبكة "بتكوين" متوفرة على مدار الساعة) بالإضافة إلى مسائل أكثر جديّة كالتضخّم المفرط الذي سحق بعض العملات في الماضي (فلا يمكن التلاعب بذخيرة "بتكوين").

إنه متحرّر من القيود. منزل "بتكوين" هو الانترنت وبإمكانه التحرك كيفما شاء في منزله. عملاتك "بتكوين" لا تقتصر على حدود مادية (كبلد معين) ولا على حدود رقمية (كشبكة Paypal ).

إنه خاص. عندما ترسل دفعة، لا تخاطر بأي معلومات. خلافاً للبطاقات الائتمانية: ففي كل مرة تستخدم هذه البطاقات يكون عليك الإفصاح عن جميع المعلومات التي يفترض أن تكون سرية (على سبيل المثال إسمك والرقم وتاريخ انتهاء الصلاحية ورقم التحقق من البطاقة الائتمانية) وتصلّي ألا يسرق طرف المعاملة الثاني بطاقتك.

مزايا إضافية كثيرة...

هل أصبح الأمر أكثر وضوحاً بالنسبة إليك الآن؟ هذا هو نظام الدفع والعملات الذي أتخيّل ابتكاره إذا ما أردنا أن نبدأ من الصفر اليوم.

بشكل أو بآخر، جميعنا نبدأ من الصفر. فما كنا لنتمكن من تخطي الحدود والتقدم مؤخراً لولا ابتكار "بتكوين". ولكن لا يزال هذا الابتكار اختباراً مبكراً يعتمده بضعة ملايين أفراد في العالم. ولكن بالمقابل إنه ينمو بسرعة ويثبت إمكانياته كنظام متين جداً.

إذا كنت ترغب في مواكبة آخر أخبار بتكوين، قم بزيارة ShuBitcoin الذي يمثل مورداً قادماً حول جميع المعلومات حول "بتكوين" في الشرق الأوسط.  

Comments   

Catch up on what you've missed