أنا ولدتُ وعشتُ ولا بدّ من أن أموت...

Miguel Silva-Constenla, Jul 24 2017

لم أكن متأكدًا من طرح أسئلتي التجريبية أم لا، وذلك أساسًا لأنّ المؤتمر الذي كنتُ أحضره لم يكن فعلاً إحدى تلك المحادثات الموجّهة نحو مجال التكنولوجيا والتي يكون فيها الجمهور من مهندسي الاتصالات أو الفيزيائيين أو المبرمجين أو محبّي سلسلة أفلام "ستار وورز".

كلا؛ في ذلك اليوم كان الجمهور من الأشخاص الذين يرتدون البذلات والفساتين الرسمية وربطات العنق والكعب العالي في مجموعةٍ متنوّعةٍ من الألوان التي يمكن أن تشكّل قوس قزح من المسافة التي كنتُ واقفًا فيها.

shutterstock_217119211

بعد 15 دقيقة فقط من إلقاء خطاب مملّ حول كيف بدأتُ مغامرتي في ريادة الأعمال المتسلسلة في جميع أنحاء العالم، مع ذكر البعض من قصص النجاح والعديد من قصص الفشل، اعتقدتُ أنّ الوقت قد حان لمعرفة ردّ فعل مجموعة من الرجال والنساء العاملين في الشركات حيال بعض الأمور الغريبة في مجال الذكاء الاصطناعي.

أردتُ أن أختبر الوضع والحصول على فهم حول مدى استعدادهم للتغييرات التقنية الجذرية التي تقترب من مجتمعنا العالمي بسرعة كبيرة. ومن الواضح من الناس الذين لا يرتدون مثلي، ولكنّهم أيضًا من خلفيات غير تقنية، أنّهم يمثلّون من هم غافلين وغير عارفين بأحدث التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي (وما من مشكلةٍ في عدم معرفة بعض المواضيع). لذلك، قرّرتُ أن أجرّب وأطرح سؤالي الأول.

من منكم رزق بطفلٍ في السنتين الماضيتين؟

shutterstock_371716465

عندما رأيتُ عدد الأيادي التي ارتفعت بحماسة، كان أوّل ما خطر لي أنّه ثمّة طفرة في الولادات في ذلك البلد، وثانيًا، على الصعيد الشخصي أكثر، أنّه قد حان الوقت لي أن أتزوّج. رفع نصف الجمهور أيديهم (هل يُعقل؟!)

وقد أدّى هذا إلى سؤالي الثاني:

من منكم أيّها الأهل السعداء يعتقد حقًّا أنّ أولاده سيحتاجون إلى رخصة قيادة في المستقبل؟

لا أعتقد أنّ بعضهم قد فهم سؤالي لأنّهم بدأوا ينظرون إلى بعضهم البعض مع وجوه مشوشة وأفواه مفتوحة. أوضحت أنّني أعني إذا كانوا يعتقدون أنّ أولادهم سيحتاجون حقًّا إلى قيادة السيارات في السنوات الـ15 والـ20 القادمة. عندئذٍ، 9 من أصل 10 أبقوا على أيديهم مرفوعة. في الأسبوع الماضي، وفي مؤتمر مليء بمحبّي سلسلة أفلام "ستار وورز"  تلقيت ردًّا معاكسًا؛ حيث أبقى 1 من أصل 10 يده مرفوعة. كانت "القوة معه".

shutterstock_671755273

حاولتُ على الفور أن أشرح أنّ عليهم أن يؤمنوا في التحوّل في حياة أولادهم وكذلك في حياتهم المهنية الخاصّة، وأنّه من الأفضل أن يكونوا على استعداد لما هو غير متوقّع أفضل من البقاء في "منطقة الأمان".

ومن أجل أن يدركوا مفهوم "التغيير" بشكلٍ أفضل، شاركتهم قصّة قصيرة:

منذ حوالي 20 عامًا، في مؤتمري الأول كمتحدّث وبعد حصولي على درجة الماجستير في الفيزياء، كنتُ أتحدّث إلى مجموعة من طلاب الجامعات (من كلية الحقوق على وجه التحديد) حول كيفية أنّهم سيحتاجون إلى استخدام الحواسيب وأنّه سيتمّ استخدام تقنية الإنترنت الجديدة كأداة أساسية في أعمالهم (في الدعاوى القضائية وقضايا التأمين، وما إلى ذلك)، فعمّ الضحك في أرجاء الصالة. ولم ألقِ اللوم عليهم آنذاك لأنّ والدي وشقيقي محاميان وكانا يضحكان أيضًا على هذا المفهوم في ذلك الوقت.

قبل 20 عامًا، لم يكن أيّ محام تقريبًا يدرك أنّ علوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي سيصبحان من التقنيات المرافقة لهذا المجال الذي كان يدور في الحلقة نفسها تقريبًا في القرنين الماضيين. تخيّلوا إذًا لو أنّنا نقدّم الآن المسألة نفسها إلى الفئة الجديدة من خريجي كلية الحقوق.

أبلغتُ جمهوري بأنّ هؤلاء المحامين المستقبليين الشباب غيّروا وجهات نظرهم وطريقة عملهم بشكلٍ كبير، وأنّ أطفالهم حديثي الولادة، سيضحكون خلال 20 عامًا، على فكرة قيادة السيارة بحدّ ذاتها. ولكسر النيّة غير المحبّذة للتغيير في القاعة، أبلغتهم بالخبر السارّ، وهو أنّ أولادهم لن يموتوا أبدًا في حادث سيارة.

شعرتُ بارتياح كبير عندما رأيت شبه ابتسامات على وجه هؤلاء الأهل الجدد الذين بدأوا يصدّقون أنّ السيارات العاملة بتقنية الذكاء الاصطناعي ستجعلهم ينامون مرتاحين أكثر بكثير في المستقبل القريب.

ولكن، ما لبثت أن بدأت الأخبار السيئة لأصحاب البذلات والثياب الرسمية (هذا لا يعني أنّني لا أحبّهم، لا شيء شخصيّ هنا). طرحتُ أمرين نزلا كصاعقةٍ عليهم بدءًا بسؤالي التالي:

على فكرة، من منكم محام أو يعمل في شركة تأمين أو شركة مالية؟

من جديد، رفع 9 من أصل 10 أيديهم بكلٍ فخر، ثمّ سرعان ما نزلت الأيادي عندما سألتُ عن برنامج على الإنترنت اسمه "DoNotPay"؛ إذ لم يكن أيّ منهم على دراية به.

أخبرتهم أنّه تمّ إطلاق هذا النوع من المساعد الآليّ أو التطبيق العامل على الإنترنت منذ عام، لجعل الأمور أسهل بالنسبة لهم، حيث ساعد في إلغاء 160 ألف غرامة وقوف السيارات في لندن ونيويورك وذلك خلال الأشهر الأولى من تشغيل النظام ومن دون الحاجة إلى أي محام؛ إذ كانت العملية كلّها تتمّ على الإنترنت ومجانًا (وهذا كان الجزء المبكي بالنسبة لهم).

كان المساعد الآلي يطرح أسئلة سهلة للمستخدمين من خلال تكنولوجيا التعلّم الآلي العاملة بالذكاء الاصطناعي. وكان بعض المحامين من الحضور يبتسمون وكأنّهم يقولون ... حسنًا، إنّها مجرّد غرامة لوقوف السيارة، من يأبه لذلك؟

وأبلغتهم أيضًا أنّ هذا كان قبل عام وأنّ التطبيق يلغي حاليًّا 375 ألف غرامة وقوف السيارات شهريًّا وأنّه تمّ في الأمس إطلاق ألف مساعد إلكتروني جديد للتعامل مع المسائل القانونية الأكثر تعقيدًا وليس فقط القضايا البسيطة مثل غرامات وقوف السيارات ولكن قضايا مثل حقوق المستهلك ونزاعات أصحاب العقارات وقانون العمل وطلبات اللجوء الخاصّة باللاجئين. أجل، ألف مساعد إلكتروني جديد، وما عليكم سوى حساب عدد العملاء الذين ستخسرونهم إلى الأبد.

shutterstock_589505120

أصبحت الابتسامات البسيطة أكثر قلقًا ولكنّ هجومي في الذكاء الاصطناعي لم يتوقّف عند هذا الحدّ. طرحتُ السؤال على جميع العاملين في مجال التأمين على السيارات حول ما سيحدث إذا وصلت حوادث السير إلى مستوى الصفر تقريبًا في بضع سنوات، وأدرك الجميع، بما في ذلك أولادهم، أنّ القيادة البشرية أمرٌ خطير للغاية. وبالإضافة إلى ذلك، إنّ كلّ الحكومات، التي يقودها جيل الألفية اليوم، ستمنع البشر الأذكياء الذين يقودون أيّ نوع من المركبات على الطرق العامّة، بدءًا من الاقتصادات "الأكثر تطوّرًا"، مثل البلد الذي تزدهر فيه الولادات حيث كنت ألقي خطابي في يوم "التأمين".

ثمّ، صرخت "آه انتظروا"، من منكم يعمل في مجال التأمين الطبي؟

كان الجميع مستاؤون جدًّا لرفع أيّ أيادي.

لقد أعلمتهم للتوّ أنّ كلّ هذه المجالات ستزول بشكلٍ أساسيّ بفضل المساعدات الإلكترونية وخوارزميات التعلّم الآلي والحوسبة الكمية القادمة التي ستغيّر حرفيًّا 90٪ من العالم، بما في ذلك الوظائف التي نعرفها اليوم، خلال العشرين عامًا القادمة. وفي تلك اللحظة بالذات بدأ الجمهور يكرهني.

خلال تلك الخمس دقائق الأخيرة من حديثي، أعلنتُ عن الخبر السارّ:

أعزائي رجال الأعمال، لا تنزعجوا. التقنيات الجديدة تعني فرصًا جديدة لأعمالكم، وما عليكم سوى الابتكار على أساس تلك التغييرات، وبنفس الطريقة التي كان هؤلاء المحامون يبتكرون خلال السنوات الـ20 الماضية، وذلك من خلال حضور دروس الكمبيوتر، وإرسال الوثائق الموقّعة الإلكترونية عبر الهواتف الذكية واستخدام الحوسبة السحابية بما يمكّنكم من ملء المزيد من القضايا أكثر من أيّ وقتٍ مضى، وحتّى إنشاء المزيد من فرص العمل وخدمات أفضل للعملاء.

إنّ التكنولوجيا ليست العدوّ، بل العدوّ الحقيقي هو عدم القدرة على التكيّف مع التغييرات.

قبل مغادرتي، اختبرتهم بطرح سؤال واحد أخير، وهو تمرين غيّر تعابير وجههم من عدم الاكتراث إلى "هذا الرجل فعلاً مجنون":

من منكم يعتقد فعلاً أنّه سيموت؟

غادرتُ الصالة من دون انتظار أيّ جواب، وشكرتهم على وقتهم ودعوتهم للردّ على سؤالي عبر البريد الإلكتروني، وأوصيتهم بالاستماع إلى إحدى الأغاني المفضّلة لديّ قبل إرسال أجوبتهم عن "فكرة الموت"، وهي أغنية روك لفرقة "Young Guns" بعنوان "أنا ولدت وعشت ولا بدّ من أن أموت" (I Was Born, I Have Lived, I Will Surely Die..."

"لا تبتعد، لا تخجل، لديك أسئلة وكذلك أنا، إنّ كلّ يوم هو فرصة لتغيير القصّة، فلا تهرب، وجرّب حظّك واعطِ كلّ ما لديك، من دون ألم، وقل لي ما المغزى من المجد؟"

"أنا ولدت وعشت ولا بدّ من أن أموت..."

حسنًا، أنا لستُ متأكّدًا من فكرة الموت ولكن شكرًا لموسيقى الروك أند رول والتطور البشري والذكاء الاصطناعي.

Comments   

Catch up on what you've missed