غوص الشركات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الاستثمار بمجال الإبداع

Lynn Bizri, Oct 31 2016

يكسب استثمار الشركات اهتمامًا مطّردًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع أكثر من عشر شركات استثمرت استراتيجيًّا في مشاريع جديدة في السنوات القليلة الماضية. في حين أنّ المستثمرين من الشركات كانوا الأحدث في دخول الساحة الاستثمارية في المنطقة، نما عددهم بشكلٍ مطرد منذ العام 2012، وتقوم الشركات اليوم في مختلف القطاعات، من الاتصالات إلى التجزئة إلى الأدوية، بإطلاق المبادرات والأنشطة الاستثمارية.

إنّ أكثر من نصف (56٪) المستثمرين من الشركات في المنطقة هي شركات عاملة في دول مجلس التعاون الخليجي، وفقا لتقرير "وضع الاستثمارات الرقمية في منطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا"، مع بقاء دولة الإمارات العربية المتّحدة على رأس القائمة، مع 31٪ من المستثمرين من الشركات، تليها السعودية مع 25٪. في منطقة حيث بدأ عدد متزايد من أصحاب المشاريع يربكون الأسواق التقليدية مع أفكارهم المبتكرة، يؤدّي الحصول على التمويل من شركات المشاريع المشتركة ومسرّعات النموّ عاملاً حاسمًا في تشكيل النظام البيئي مع تعزيز الابتكار ونموّ الشركات الناشئة.

بناء الابتكار مقابل الاستثمار في الابتكار

تبلغ قيمة صناديق الاستثمارات المؤسّسية في جميع أنحاء العالم اليوم ما يقارب من 1.300، وهو رقم تضاعف في خلال السنوات الخمسة الماضية، وفقًا لتقرير جديد صادر عن شركة إرنست أند يونغ: "مفارقة الابتكار" (The Innovation Paradox). في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، على وجه الخصوص، تثبت شركات المشاريع المشتركة أنّها مسارٌ يزيد من وضوح المنطقة كمركز للابتكار، بينما يوفّر في الوقت نفسه تقنيات جديدة مع إمكانيّة للنموّ والازدهار.

من خلال تمويل الابتكارات التي تنجزها الشركات الناشئة، يمكن للشركات الاستفادة من الابتكار من خلال الاستثمار في الشركات الناشئة أو حتّى الحصول عليها. بالنسبة للانا غانم، المدير الإداري لشركة الحكمة للمشاريع (ذراع رأس المال الاستثماري لشركة حكمة للأدوية "Hikma Pharmaceuticals")، كان الاستثمار في الابتكار السبب الرئيسي لتأسيس شركة المشاريع المشتركة الخاصّة بها: "يصبح الاستثمار في الصحة الرقمية ضرورة أكثر من أمر جيّد للحصول عليه. إنّها وسيلة بالنسبة لنا لتمييز أنفسنا كلاعبين عالميّين، ووسيلة لنا لنكون في طليعة التقنيات الناشئة في العالم و... في صناعة المستحضرات الصيدلانية".

إنّ تحديد الشركات الناشئة المناسبة لإقامة شراكة معها أو تسريع نموّها أو تأسيسها، يمكن أن يكون خيارًا صعبًا للكثير من الشركات. بالنسبة لشركات المشاريع المشتركة، يكمن الأمر في العثور على الفرص الأكثر إلحاحًا وربحًا على أساس معايير عدّة مختلفة. وقالت غانم، التي تفضّل أيضًا الموارد والخبرات الداخلية على سهولة تقييم الفرص: "نحن نتطلّع للاستثمار في الشركات أو الشركات الناشئة حيث يمكننا تسريع نموّها. لذلك، نحن نتطلّع إلى أن نكون رائدين في جلب التقنيات الناشئة في الغرب لهذا الجزء من العالم ولجعل التقنيات والشركات في هذا الجزء من العالم منتشرة على الصعيد العالمي".

أما بالنسبة لشركات المشاريع المشتركة للشركات الناشئة الداخلية، يشكّل تصوّر الأعمال وتطويرها ومعرفة في أيّ اتّجاه يجب توجيه الابتكار أمرًا مختلفًا تمامًا. ويعترف سامر شقير، نائب رئيس الهلال للمشاريع، وهي شركة حاضنة للشركات الناشئة الداخلية: "من الصعب جدًّا امتلاك فكرة، والمرور في فترة التطوير هذه والتي يمكن أن تستغرق بين سنتين وثلاث سنوات، وتحويلها إلى شركة عاملة". ومع ذلك، إنّ وجود موضوع أو رؤية يمكن اتّباعها يبسّط العملية. على سبيل المثال، في حالة الهلال للمشاريع، يجب أن تكون الشركات التي يتمّ تطويرها واعية اجتماعيًّا وصديقة للبيئة ومستدامة ماليًّا. ما أن تتمّ تلبية هذه المعايير، يكون باقي العملية عاديًّا إلى حدٍّ ما، مع أنّه لا يزال يشكّل تحديًا. "يتمّ ابتكار الأفكار داخليًّا من قبل مختلف أعضاء فريق العمل في شركة الهلال، ويُترَك لنا وظيفة القيام بهذه الأبحاث، وتطوير خطط العمل وبناء هذه الشركات".

والجدير بالذكر أنّ أكبر التحديات التي تواجه هذه الشركات الحاضنة هي مهمّة توظيف الأشخاص المناسبين لتشغيل الأعمال. وكشف شقير: "نحن نبحث عن أشخاص لديهم مجموعة من المهارات والمعرفة والدراية في الصناعة مع وجود عقلية المشاريع التي من شأنها أن تسمح لهم بالتعامل مع بيئة الشركة الناشئة". إنّ الأفراد المعيّنون المعروفون أكثر باسم الرواد الداخليّين، هم أفراد يتصرّفون مثل أصحاب المشاريع في الشركات الكبرى. وتقوم الشركات التي تبني روح المبادرة الداخلية للبقاء في صدارة المنافسة، بتوظيف أفراد يخاطرون ويحقّقون النجاحات.

تسريع الابتكار

وفقًا لأبحاث وتحاليل قامت بها شركة ديلويت إل إل بي، أطلقت الشركات في السنوات الثلاثة الماضية، أكثر من 105 مسرّعات نموّ عالميًّا، مع 47 منها في العام 2015. إنّ مسرّعات النموّ للشركات تشبه مسرّعات النموّ التقليدية من حيث أنّها تستثمر في الشركات الناشئة في مرحلة مبكرة، وتعطيها إمكانيّة الحصول على الأموال والمساحات المكتبيّة والخبرة وتساعدها في النموّ. ومع أنّ مسرّعات النموّ التقليدية تهدف بشكلٍ عامّ إلى رؤية عائد على استثماراتها في الأسهم، تميل مسرّعات النموّ للشركات إلى أن تكون أكثر تركيزًا على الوصول إلى مفاهيم وتقنيات جديدة لميزة تنافسية.

عادة ما تستخدم الشركات التي تطلق برامج مسرّعة للنموّ برامج تسريع داخليّة أو تستعين بمصادر خارجية للإدارة كما هو الحال في شركة "نيست" (Nest). في نموذج الشراكة، يقوم الشريك بتسويق البرنامج ومراجعة الشركات الناشئة واختيارها وتوفير الموجّهين وإدارة البرنامج. ومن بين كلّ مسرّعات نموّ الشركات التي تمّ إطلاقها في خلال السنوات الثلاثة الماضية، نصفها استخدم مسرّعات نموّ شريكة، بحسب تحليل لشركة ديلويت.

إنّ فوائد رعاية مسرّعة للنموّ هي كثيرة وتشمل آراء معمّقة على التقنيات والاتّجاهات الناشئة والبحث والتطوير السريع والكفوء من حيث التكلفة والعائدات الاقتصادية (إذا تمّ شراء الشركة الناشئة أو انتشرت) وكذلك إمكانيّة الحصول على مواهب من العيار الثقيل. من خلال تقديم التوجيه والدعم للشركات الناشئة الواعدة، تجعل مسرّعات النموّ من الممكن للشركات الكبيرة بطيئة الحركة أن تبقى ذات صلة وقادرة على المنافسة. كما قال غاري ستيوارت، مدير شركة "وايرا" (Wayra) في المملكة المتحدة: "بيت القصيد يقوم بالفعل على بناء الابتكار أو جلبه مرّة أخرى إلى الشركة".

تميل مسرّعات نموّ الشركات إلى العمل مع الشركات التي تركّز على مجال ضروريّ لهذه الشركة، لذلك عندما يتعلّق الأمر باختيار الشركات الناشئة لبرنامجها، يتمحور الأمر إلى حدّ كبير في العثور على الشركة المناسبة. وقال هارون فو، المدير الشريك في شركة "إنوفايشن نيست" (Innovation Nest): "إنّ الجزء الفريد مما نبحث عنه هو قدرتنا على مساعدة تسريع نموّكم [الشركة الناشئة] بطريقةٍ لا أحد يستطيع القيام بها. إنّها قصّة أقصر إذا كنتم [الشركة الناشئة] مناسبين بالنسبة لنا، وما إذا كنّا نحن مناسبين بالنسبة لكم [الشركة الناشئة] أيضًا". إنّ الشركات الناشئة التي لها معرفة بالأسواق التي يمكن الوصول إليها من الشركات والشراكات الاستراتيجية ولديها رؤية حول كيفية الاستفادة منها أيضًا، تكون ذات فائدة أكبر. "إن ما نبحث عنه كثيرًا هو أن تخبرنا الشركة الناشئة قصّة تطلعنا بها لماذا نحن مناسبين استراتيجيًّا بالنسبة لها، وما إذا كان ذلك يفيد شبكاتنا في جميع أنحاء العالم".

في حين أنّ هذا التركيز الضيق قليلاً قد يبدو وكأنّه عيب، إلا أنّ العديد من المزايا تأتي مع الشراكة مع مسرّعات نموّ الشركات مثل الحصول على التمويل الخالي من الأسهم والموجّهين الذين يركّزون على الصناعة والموارد المؤسّسية وعملاء ذوي ولاء في المستقبل. بالإضافة إلى ذلك، تستفيد الشركات الناشئة من الوصول إلى النظام البيئي للشركاء والعملاء وقنوات التوزيع في المؤسّسة والتي يمكن أن تساعدها في التقدّم عالميًّا وعادةً ما تستمرّ في تلقّي الدعم وأحيانًا الاستثمارات من مسرّعات النموّ عند انتهاء فترة تسريع النموّ.

رعاية الابتكار

قال ستيورت: "أعتقد أنّ الموهبة هنا [في منطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا] رائعة، ولكنّها تحتاج ربّما إلى القليل من المساعدة، من حيث إعطاء أصحاب المشاريع منصّة مثالية لإنشاء شركات قابلة للتطوير على مستوى العالم". من خلال إنشاء مسرّعات للنموّ وشركات مساعدة للمشاريع المشتركة وشركات حاضنة، تنمو البرامج الاستثمارية للشركات في منطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا اليوم، في حين لا تزال في مراحلها الأولى، بشكلٍ مطرد، وتنشئ نظامًا بيئيًّا يمكّن الابتكار ويرعى الكيانات الجديدة المربحة ويغرس ريادة الأعمال في عمليات الشركات. إنّ البيان التالي الذي أدلى به البروفيسور برونو لانفين، المؤلف المشارك في مؤشر الابتكار العالميّ هو وصف مناسب للابتكار في المنطقة: "الإبداع يقوم على البنية التحتية التي تمكّن حدوث الابتكار. كثيرًا ما يقول الغرب إنّ السوق يجب أن يحدّد ما ينبغي بناؤه، ولكنّ الأمر ليس كذلك، إذ يحتاج الإبداع والابتكار إلى مساعدة".

 

Comments   

Catch up on what you've missed