نهضة ريادة الأعمال لدى النساء

ArabNet Team, Mar 08 2017

إنّ ثقافة ريادة الأعمال في منطقة الشرق الأوسط آخذة في التزايد. ومع بدء الحكومات والشركات في القطاع الخاص بدعم النساء في العمل وتشجيعهنّ، تزدهر ريادة الأعمال لدى النساء وتنمو. تقوم اليوم النساء بتأسيس واحدة من كلّ أربعة شركات ناشئة جديدة، وفقًا لتقرير صادر عن شركة الماسة كابيتال، وإدارة الأصول من خلال الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم في دول مجلس التعاون الخليجي، والتي تبلغ قيمتها 385 مليار دولار. وفي حين تُعتبر ريادة الأعمال لدى النساء أقلّ شيوعًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (4٪ من السكان) بالمقارنة مع أجزاء أخرى من العالم النامي (وفقًا لتقرير صادر عن البنك الدولي)، تميل الشركات المملوكة للنساء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى أن تكون كبيرة وإنتاجية ومنظّمة جيّدًا تمامًا مثل الشركات المملوكة للرجال. علاوة على ذلك، ذكر كريستوفر شرودر في كتابه "نهضة الشركات الناشئة" (Startup Rising) أنّه يتم تشغيل أكثر من ثلث الشركات الناشئة في المنطقة من النساء، وهي نسبة أعلى مما كانت عليه في وادي السليكون.

ازدادت ريادة الأعمال لدى النساء في العديد من البلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال العام الماضي. وتظهر المنفعة الاقتصادية المحتملة بشكلٍ ملفتٍ مع الشركات التي تديرها النساء والتي تُعتبر حافزًا هامًّا لخلق فرص العمل والتنمية الاقتصادية. ووفقا لتقرير تحليلي واستطلاع قامت به كلّ من "التعليم من أجل التوظيف" (Education for Employment)، و"يوجوف" (YouGov) و"بيت.كوم" (Bayt.com)، إذا كانت مشاركة المرأة في أسواق العمل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا معادلة لمشاركة الرجال، سيرتفع الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي بنسبة 47٪ خلال العقد القادم، ويمكن لهذه المنطقة أن تحقّق 600 مليار دولار في التأثير الاقتصادي سنويًّا. ولا يعني ارتفاع عدد الشركات الناشئة المزيد من فرص العمل للجميع وحسب، ولكنّ الشركات التي تديرها النساء وتمتلكنها أيضًا أكثر عرضة لتوظيف النساء الأخريات من الشركات التي يديرها الرجال. علاوة على ذلك، إنّ استخدام ريادة الأعمال لدى المزيد من النساء يفيد المنطقة ككلّ ويثري بيئة الشركات الناشئة ويجعلها أكثر إنتاجية ويقلّل من الفوارق بين الجنسين.

العوامل المحفّزة

قبل ثلاث سنوات، بحثت دراسة أجراها كلّ من بشير حسين، الشريك المؤسّس والرئيس التنفيذي لشركة "هيلوفود" (Hellofood)، وعمار رضوي، قائد المبادرات الاستراتيجية العالمية في غوغل، في بعض العوامل المحفّزة لسيدات الأعمال ومالكات الشركات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتبيّن من بين 121 امرأة من رواد الأعمال تمّت مقابلاتهنّ، أنّ الغالبية منهنّ لم يبدأن أعمالهنّ انطلاقا من الحاجة إلى الدخل، وإنّما لأنهنّ قد حدّدن فرصة حيث يمكن للابتكار حلّ مشكلة وأردن التغلّب على التحدي وكسب إحساس بالإنجاز.

تعمل شركات التكنولوجيا التي تديرها النساء في المنطقة في مجموعة واسعة من القطاعات وتعالج مختلف القضايا والمشاكل والثغرات الموجودة في السوق. وتندرج شركة سارة درويش "شو شيك.كوم" (chouchic.com) ضمن قطاع الأزياء، وهو موقع إلكتروني يقدّم مبيعات مخفضّة الأسعار للسلع الكمالية مع أفضل ما في الموضة من أفضل الماركات العالمية. وتتخصّص الأعمال التجارية الإلكترونية الشعبية الأخرى التي تديرها نساء للأمهات والأطفال، مثل موقع "ميني إكسشاينج" (Mini Exchange) و"مامز وورلد" (MumzWorld)، التي أسّستهما كلّ من سارة جونز ومنى عطايا، وكلاهما أسواق إلكترونية موجّهة لمنتجات الأمهات والرضّع والأطفال في منطقة الشرق الأوسط. وأخيرًا، تعالج بعض الشركات مشكلة حقيقيّة، مثل عدم وجود المحتوى العربي على الإنترنت.

قامت سيما النجار، مؤسّسة موقع "إكيف.كوم" (Ekeif.com)، بتأسيس شركتها الثالثة بعد أن واجهت مثل هذه المشكلة. وقالت: "بدأت فكرة "إكيف.كوم" (Ekeif.com) عندما كنتُ أبحث في الإنترنت عن النصائح والحيل التي أحتاجها لتطوير أعمالي ولاحظتُ عدم وجود المحتوى العربي، لذلك قرّرت أن أجمع بين خبرتي في الإنتاج وشغفي للتعلّم وقمتُ بتأسيس "إكيف.كوم" (Ekeif.com)، موقع الأفلام العربية القصيرة حول "كيفيّة" التصرّف. وبدأت فداء طاهر، مؤسّسة شركة "زيتونة" (Zaytouneh) التي أصبحت الآن "أطباقي" (Atbaki)، عملها بعد أن واجهت تحديًا مماثلاً. وقالت: "أسّستُ شركة "زيتونة" (Zaytouneh) في العام 2011، عندما كان العثور على وصفات عربيّة جيدة على الإنترنت يشكّل تحديًا، وعندما كانت وصفات الفيديو في الأساس حلقات طويلة من برامج الطهي".

أمّا عوامل التحفيز الثانية والثالثة الأكثر أهميّة، فكانتا الرضا الوظيفي والاستقلال. بدأت جونز شركتها "ميني إكسشاينج" (Mini Exchange) بعد أن شعرت أنّ حياتها المهنية لا تفي بما فيه الكفاية بالنسبة لها على المدى الطويل. وقالت: "قرّرتُ أخذ المخاطرة وإطلاق شركتي الخاصّة. رصدتُ وجود فجوة في السوق وبدأتُ على مستوى صغير ثمّ كبرنا تدريجيًّا على حدٍّ سواء من حيث العدد وغيرها من الجوانب".

التحديات التي تواجهها سيدات الأعمال

على الرغم من ارتفاع عدد الشركات التي تديرها النساء، لا تزال ثمّة العديد من العوائق التي تواجه سيدات الأعمال في المنطقة، مثل القيود الاجتماعية والثقافية والمالية وتحقيق التوازن بين العمل والحياة، وعدم كفاية التدريب، وصعوبة الوصول إلى المعلومات وعدم وجود سياسات مشاريع صديقة للنساء. من جهةٍ، يمكن أن يُعزى انخفاض نسبة مشاركة سيدات الأعمال في المنطقة جزئيًّا إلى الثقافات والقيم والمعتقدات والسلوكيات المختلفة التي تسود في المنطقة. تُعتبر بلدان المنطقة في الغالب مجتمعات موجّهة للذكور، حيث يُنظر للرجال على أنّهم الذين يؤمّنون لقمة العيش والنساء على أنّهن المربيات/الزوجات/الأمهات، وهذا يعني أنّ التقاليد الأبوية تحدّ النساء في جهودها الريادية.

الحاجز الأساسي الآخر لسيدات الأعمال هو الوصول المحدود إلى التمويل. بالإضافة إلى احتدام المنافسة في بيئة الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تُعتبر المنطقة محجوبة بالموارد المالية المحدودة وفرص التمويل نادرة للشركات الناشئة. وقد قدّرت دراسة حديثة أجرتها مؤسّسة التمويل الدولية أنّ حوالى 70٪ من المشاريع النسائية في البلدان النامية والناشئة لا تتلقّى أي تمويل أو تتلقّى القليل من المؤسّسات المالية من أجل دعم مشاريعهنّ وتنميتها وتبلغ قيمة غياب التمويل ما يقارب 271 ألف دولار في المشاريع الصغيرة والمتوسطة المملوكة للنساء. ونتيجة للحواجز الكبيرة المرتبطة بتأمين التمويل وزيادة رأس المال، تقوم معظم النساء صاحبات المشاريع بتمويل مشاريعهنّ مع مدّخراتهنّ الخاصّة أو بدعم ماليّ من الأسرة والأقارب.

أخيرًا، إنّ التحدي المشترك والمهمّ لسيدات الأعمال، وبخاصّةٍ الأمهات منهنّ، هو تحقيق التوازن بين العمل والحياة. وقالت نجار: "كان التحدي الرئيسي بالنسبة لي عندما رُزقتُ بابنتي الأولى منذ 4 سنوات، وكان تحديًا إذ كنت قد بدأت للتوّ بتأسيس شركتي الناشئة الثالثة وكان الجميع يتوقّع منّي أن أجلس في المنزل وأترك عالم الأعمال، [...] ولكنّني وجدت التوازن الذي أكون سعيدة فيه". كما تكشف طاهر أنّه على الرغم من الصعوبة، ثمّة مزايا لكونها سيدّة أعمال وأمّ في آن. وتقول: "علّمتني الأمومة وتأسيس عمل تجاري كيف أصبح أفضل أم يمكن أن أكونها، وكيف أصبح خبيرة في إدارة الوقت وتحديد الأولويات".

الحلول

إنّ إمكانية الوصول إلى الأسواق المحلية والعالمية عبر مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت يجعل من السهل للنساء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تطوير أعمالهنّ. وقد ساعدت نهضة التكنولوجيا أيضًا في تشجيع الابتكار الجماعي والتبادل الدولي للأفكار، وجلب النساء إلى رأس عالم التكنولوجيا لقطاع الأعمال. ويجب على الحكومات والمنظمات غير الحكومية معالجة التحديات التي تواجه المرأة، وإدخال مجموعة من إجراءات التمكين وتنفيذ البرامج التي تدعم المبادرات والأنشطة الخاصّة بالمشاريع التي تديرها النساء لمواصلة تعزيز ريادة الأعمال لدى النساء في المنطقة. لحسن الحظ، بدأت هذه المنطقة ترى المزيد من هذه البرامج.

ومن هذه البرامج مشروع ريادة المرأة العربية التي تهدف إلى القضاء على عدم المساواة بين الجنسين من خلال توفير التدريب والإرشاد وغيرها من برامج بناء المهارات للنساء. وثمّة برنامج آخر تابع لجوجل "هاش 40 فورورد بروجرام" (#40Forward program) الذي أعطى مليون دولار إلى 40 شركة ناشئة (25٪ منها في منطقة الشرق الأوسط) لزيادة تمثيل المرأة في مجتمعات التكنولوجيا ذات الصلة. كما ثمّة مثال محلي مهمّ هو "غزة سكاي جيكس" (Gaza Sky Geeks)، شركة لتسريع بدء عمل الشركات الناشئة ومساحات العمل في مدينة غزة، والتي تقدّم النصح والإرشاد والدعم للشركات الناشئة في قطاع غزة. وقد بدأت هذه الشركة في الآونة الأخيرة تركّز على جلب المزيد من الفتيات والنساء للعمل في هذا المجال وما يقارب حاليًّا نصف مؤسّسات الشركات الناشئة التي تقدّم "غزة سكاي جيكس" (Gaza Sky Geeks) الإرشاد لها هنّ من النساء والهدف هو الوصول إلى 80 في المئة.

إنّ الحلّ الناجح الآخر لتعزيز روح المبادرة لدى النساء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هو من خلال تمكين النساء للوصول إلى التمويل الخاصّ بهنّ والذي سيسمح لهنّ بالمنافسة للحصول على التمويل (بدلاً من التنافس ضدّ الرجال) وتسهيل انتقالهنّ أيضًا إلى عالم الأعمال. ومن شأن مجموعة تمويل خاصّة بالمرأة أن تدفع النساء لاستكشاف أفكار خارج القطاعات التقليدية والابتكار واتّخاذ المخاطر المحسوبة وإطلاق العنان للمكافآت لأنفسهنّ وأسرهنّ ومجتمعاتهنّ.

تقترب سيدات الأعمال بسرعة من الحصول على المساواة بين الجنسين في بيئة الشركات الناشئة وتحسين الاقتصاد المحلي والعالمي أيضًا بمساعدة من البرامج والمبادرات المماثلة. ومع توفير التسوية المثالية، تسمح الشركات الناشئة التقنية والتجارة الإلكترونية للنساء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بإظهار مواهبهنّ في عالم الأعمال وتمهيد الطريق للنموّ الاقتصادي في المستقبل وليس في هذه المنطقة فحسب، بل في بقية دول العالم أيضًا.

 

Comments   

Catch up on what you've missed