مستقبل الواقع الافتراضي

Lynn Bizri, Jan 02 2017

يمكن أن تصل قيمة سوق الواقع الافتراضي إلى 30 مليار دولار بحلول العام 2020، وفقا لشركة التكنولوجيا الاستشارية "ديجي-كابيتال" (Digi-Capital). وقد يستخدم 171 مليون شخص أجهزة وبرمجيات الواقع الافتراضي في جميع أنحاء العالم بحلول العام 2018، وفقا لشركة الأبحاث "KZero". وقد تمّ الإعلان عن الواقع الافتراضي بأنّه "الأمر الأهمّ" في السنوات القليلة الماضية، إلا أنّه وبفضل التطورات الأخيرة في التكنولوجيا، تمكّن الواقع الافتراضي من الوصول إلى مثل هذه المجموعة الواسعة من المستهلكين والمجالات المباشرة على الإنترنت.

في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من المتوقّع أن تبلغ قيمة الواقع الافتراضي مليار دولار وفقا لشركة "ديلويت". ويتوقّع الخبراء نموّ تكنولوجيا الواقع الافتراضي في المنطقة لتكون مدفوعة بعوامل مختلفة تشمل: شركات منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تركّز على تقديم منتجات وخدمات مبتكرة تلبّي متطلّبات العملاء الإقليميين، وزيادة الضغط لتخفيض التكاليف التشغيلية بسبب تراجع أسعار النفط وانخفاض تكاليف الشراء، وزيادة إمكانية الوصول إلى تكنولوجيا الواقع الافتراضي والخبرات. ومع التطلّع للمستقبل، من المتوقّع أن يحوّل الواقع الافتراضي مجموعة متنوّعة من المجالات، بدءًا من التعليم إلى الرعاية الصحية، ولكن أبرزها قطاع الألعاب والتسويق والأفلام.

من الخيال إلى الواقع

في حين كان الواقع الافتراضي يتوسّع في مجموعة متنوّعة من المجالات، لا يزال مجال الألعاب أحد الاستخدامات الأهمّ والقريب. ووفقا لمصادر الصناعة، تبلغ قيمة سوق ألعاب الكمبيوتر حاليًّا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حوالي 1.5 مليار دولار، ومن المتوقع أن تنمو ثلاثة أضعاف بحلول العام 2020، ومعظمها سيأتي من دول مجلس التعاون الخليجي. ومع كلّ الأدوات والتقنيات اللازمة لبناء العوالم الثلاثية الأبعاد الغامرة والمتاحة في صناعة الألعاب، تتحوّل المزيد من شركات الألعاب والاستوديوهات إلى الواقع الافتراضي وتقوم بتطوير ألعاب الواقع الافتراضي. وسيقوم استوديو الألعاب المستقلّة القائم في لبنان "Game Cooks" بإصدار أوّل لعبة واقع افتراضي HOVR وهي لعبة تسابق السيارات ثلاثية الأبعاد لواقع المحرّكات الافتراضي. وقد وردت اللعبة التي تقوم على مقرصن يدور في مدينة ويسابق آخرين على لوح تزلج طائر يحوم في شوارع المدينة، على متجر Google Play في مهرجان ألعاب إيندي 2016 في سان فرانسيسكو، وحلّت بين الألعاب الـ15 المتأهلة إلى النهائيات.

ولكن على الرغم من ازدياد شعبية ألعاب الواقع الافتراضي، تبقى إحدى كبرى العوائق التي تحول دون النموّ هي تكلفة التجهيزات والسماعات والأجهزة الخاصّة بالواقع الافتراضي. وتبلغ قيمة أول سماعة حديثة "Oculus Rift" حوالي 600 دولار، في حين تبلغ قيمة سماعة "Vive" من HTC حوالي 800 دولار، ولا يمكن لأيّ منهما أن تعمل بشكلٍ سلس من دون حاسوب قويّ. وعلاوة على ذلك، ملحق سوني الذي صدر مؤخرًا "PlayStation VR" والذي يكلّف 400 دولار في حال كان اللاعبون يمتلكون PS4، هو معقول أكثر وقابل للشراء ولكنّه يوفّر تجربة واقع افتراضي ذات نوعية أقلّ بشكلٍ ملحوظ، وهو الحال أيضًا بالنسبة لتجهيزات "Google Cardboard" و"Samsung Gear VR" التي تعمل على الهواتف الذكية.

ومع ذلك، تنتشر ألعاب الواقع الافتراضي بشكلٍ سريع للغاية وتمرّ بمراحل تغيير مستمرّ. ومع التقدّم في التكنولوجيا، وزيادة إنتاج أجهزة/ألعاب الواقع الافتراضي والملحقات القابلة للشراء أكثر، ستصبح سماعات ألعاب الواقع الافتراضي قريبًا أصغر حجمًا وأكثر قوة وبأسعار معقولة للجميع.

خلق رحلات تجريبيّة

إنّ الواقع الافتراضي هو أيضًا في طريقه لتحويل طريقة مشاهدة محتوى الأفلام والفيديو وإنتاجها. تتخصّص "Giga Works"، وهي استوديو سينمائي للواقع الافتراضي ومقرّها في دبي، في تكييف لقطات الحركة في الوقت الحقيقي في تجارب غامرة بزاوية 360 درجة وقد أنتجت لقطات الواقع الافتراضي التي تشمل سباق الكارتينج، وتجربة سكي دبي في الواقع الافتراضي، وجولة مع بطل الرالي اللبناني جوزيف هندي، ورحلة إلى أسفل مسايل المياه في الألعاب المائية في وايلد وادي دبي من بين أمور أخرى. ومع ذلك، ومع إظهار أنّ قوة الواقع الافتراضي في التجربة التفاعلية أو تجارب الألعاب سهلة نسبيًّا، يُعتبر تصوير فيلم بزاوية 360 درجة أو لقطات الفيديو في الواقع الافتراضي قصّة مختلفة تمامًا.

يوفّر التصوير بزاوية 360 درجة للمشاهدين فرصة للدخول والمشاركة عن قرب وبالكامل في التصوير واختيار طريقة المشاهدة. وبينما تكون الفوائد واضحة، تمثّل التجربة السينمائية الغامرة قصة مشوّقة أكثر. ويجب على صانعي الأفلام التغلّب على العديد من العقبات في عملية إنشاء مثل هذه الأفلام، من مرحلة التصوير إلى مرحلة ما بعد الإنتاج. وبادئ ذي بدء، وبما أنّه يمكن للمشاهدين رؤية لقطات الفيلم بحسب ما يروه مناسبًا ومن الزاوية التي يختارونها، يمكن للمخرجين ضمان أن يركّزوا اهتمامهم على الحدث، وسيكون عليهم دمج الإشارات البصرية أو السمعية لإرشادهم. ويتمثّل تحدٍّ رئيسيّ آخر في تجهيز مشهد بزاوية 360 درجة والعمل فيه، إذ يتعيّن على المخرجين اعتماد طريقة مختلفة تمامًا في التفكير والتحرير والإخراج.

ثمّة فرصة جيّدة في أن يقوم الواقع الافتراضي بتحويل صناعة السينما وتحديث السينما التقليدية واستبدال نظارات الرؤية ثلاثية الأبعاد بسماعات الواقع الافتراضي، ولكنّ حتّى أولئك المتحمّسون حول إمكانية حصول ذلك غير متأكّدين من طريقة القيام بها (في حال حصولها). وإذا تمّ الاستخدام بشكل صحيح، يمكن للواقع الافتراضي أن يشير إلى نهاية السينما التقليدية كما نعرفها. وبينما سيكون الواقع الافتراضي خطوة كبيرة إلى الأمام من حيث التشويق السرديّ، سيكون من الصعب غضّ النظر عن الجانب الاجتماعي التقليدي للفيلم، أي مشاركة صالة السينما مع الآخرين.

تحويل التسويق التقليدي

بالإضافة إلى صناعة الألعاب والسينما، من المتوقّع أن يحوّل الواقع الافتراضي طريقة التسويق التي تقوم بها الشركات. وعلى عكس التسويق التقليدي، يسمح الواقع الافتراضي للمسوقين بالتمتّع بحرية أكثر بكثير والحصول على مجال للابتكار في مرحلة الإبداع في حملاتهم. ومن خلال الجمع بين الواقع الافتراضي واستراتيجيات التسويق الرقمي مثل التسويق ورواية القصص التجريبيّة، تستطيع العلامات التجارية خلق تجارب فريدة من نوعها وإشراك المستهلكين بشكلٍ كامل بطريقة لا يمكن لوسيلة أخرى القيام بها. وعلاوة على ذلك، فإنّ الاحتمالات غير محصورة؛ إذ يمكن للعملاء تجربة أي منتج أو موضوع أو حالة، وكلّ ذلك من دون الاتصال الفعليّ المباشر.

وقد بدأت العديد من العلامات التجارية بالانضمام إلى العالم الافتراضي، وذلك باستخدام الواقع الافتراضي لخلق تجارب فريدة وجذب انتباه المستهلك الكامل في حملاتها ومخططاتها التسويقية. وفي وقتٍ سابق من هذا العام، أطلقت شركة الاتحاد للطيران فيلم حملة الواقع الافتراضي المصوّر بزاوية 360 درجة من بطولة نيكول كيدمان، وهي المرة الأولى التي يمثّل فيها أحد نجوم هوليوود في فيلم قصير لواقع افتراضي مشوّق. وتشرك الحملة التي تمتدّ لمدة خمس دقائق بعنوان "تصوّر من جديد"، المشاهدين في رحلة تجريبية كاملة مع متابعة نيكول كيدمان في إحدى الطائرات الجديدة من طراز إيرباص A380 التي تحلّق بين نيويورك وأبوظبي.

كما قامت مدينة جميرا في دبي بتطوير منصة رقمية مبتكرة في شراكة مع جوجل حيث يتمّ استخدام فيديو مصوّر بزاوية 360 درجة وصوت ثلاثي الأبعاد وتفاعلات مرحة ولقطات حصرية لإظهار الحياة في 23 عقار في جميرا في جميع أنحاء العالم. وقد استخدمت "جميرا إينسايد" وظيقة Google Cardboard لخلق تجربة واقع افتراضي غامرة بالكامل، وكذلك دمجت اكتشاف وحجز أجزاء من رحلة المستخدم مع محرّك حجز مباشر داخل المنصّة.

ولكن على الرغم من الحماس المتزايد ونجاح الواقع الافتراضي، لا يزال محتوى الواقع الافتراضي المهمّ نادرًا في الوقت الراهن. ولكن، ومع توق العملاء لقصص نموّ غامرة ومذهلة، سيتعيّن على العلامات التجارية توفير تجارب فريدة من نوعها وممتعة وجميلة للشهرة ومواكبة العصر.

التطوّر الجديد في الطبّ

أصبحت الرعاية الصحية واحدة من أكبر المعتمدين للواقع الافتراضي وهي حاليًّا في المرتبة الثانية لأكبر سوق لتكنولوجيا الواقع الافتراضي، وفقا لأحدث دراسة أجراها بنك جولدمان ساكس. ومن أدوات المحاكاة في العمليات الجراحية لعلاج المرضى وتدريب الجراحين/أطباء الأسنان، وجد الواقع الافتراضي طريقه إلى ساحات طبية عدّة، مع التأثير على كلّ من المرضى والأطباء. ولم تسمح التكنولوجيا الغامرة للمتخصّصين في الرعاية الصحية بتعلّم مهارات جديدة في بيئة آمنة ثلاثية الأبعاد وحسب، بل يتمّ استخدامها أيضًا إلى جانب الفحوص الطبية لتشخيص الحالات المرضية وتساعد في الحدّ من جنون العظمة والرهاب واضطرابات ما بعد الصدمة.

في شهر أبريل، بثّ الجراح في أمراض السرطان في مستشفى لندن الملكي، أحمد الشافي، مباشرة على الإنترنت عملية في الواقع الافتراضي باستخدام البرمجيات المتقدّمة في شركته الناشئة الطبيّة. وقد تفاعل أكثر من 50.000 شخص في جميع أنحاء العالم مع العملية وشاهدوها في الوقت الحقيقي، وتمكّنوا من مشاهدة العملية من أيّ زاوية يختارونها. وفي دبي، ثمّة مشروع بحثي جار حاليًّا في الواقع الافتراضي في جامعة Wollogong في مركز أبحاث المحاكاة والنظم الذكية. المشروع هو عبارة عن أداة محاكاة وبحث لمسية افتراضية مع تمكين وظيفة الصوت تُسمّى VirtuNav وتساعد الأشخاص الذين يعانون من ضعف البصر عن طريق إشراكهم في نموذج محوسب ثلاثي الأبعاد لموقع داخلي من واقع الحياة بهدف تحسين إدراكهم وذاكرتهم المكانية وتمكينهم بشكل مريح وبسهولة من الاستكشاف والتفاعل مع بيئات غير مألوفة. وأخيرًا، يمثّل Proximie، الذي شاركت في تأسيسه الطبيبة اللبنانية نادين حشاش-الحرم، برنامج يمكّن الجراحين من تقديم المساعدة الجراحية من أينما كانوا في العالم، وكلّ ذلك من خلال شاشة آيباد. وقد تمّ استخدام البرنامج لقيادة عمليتين جراحيّتين في قطاع غزة من قاعدة الجراح الدكتور غسان أبو ستة في بيروت.

ومع أنّ الواقع الافتراضي في مجال الرعاية الصحية لا يزال في أيّامه الأولى، من المتوقّع أن يولّد الواقع الافتراضي الزائد في مجال الرعاية الصحية 2.54 مليار دولار عالميًّا بحلول العام 2020، وفقا لشركة الأبحاث والاستشارات IndustryARC. وفي المستقبل القريب، سيشهد قطاع الرعاية الصحية غرف عمليات أكثر افتراضية مع محاكاة سيناريوهات من واقع الحياة ونمذجة افتراضية للأعضاء والتشريح البشري في الطبّ التشخيصي واستخدام الواقع الافتراضي لعلاج أمراض الرهاب المهمّة سريريًّا. ومع التطورات الأخيرة والمستمرّة في تكنولوجيا الواقع الافتراضي واعتمادها المتزايد، من المتوقّع أن يغيّر الواقع الافتراضي الطريقة التي يعمل بها الأطباء ويحسّن الخبرات الاستشفائية ومستوى الرعاية الذي يحصل عليه المرضى في جميع أنحاء العالم. وقد ينقذ الحياة في نهاية المطاف.

إعادة تعريف الفصل الدراسي

التعليم هو مجال آخر يعتمد الواقع الافتراضي. وقد وافق 85٪ من المعلّمين أنّه سيكون للواقع الافتراضي أثر إيجابي على التلاميذ، وذلك وفقا لدراسة بتكليف من سامسونج جي إف كي (وهي شركة أبحاث السوق). وبالإضافة إلى مساعدة الطلاب لفهم أفضل لمفاهيم التعلّم الصعبة، تزيد تقنيات الواقع الافتراضي من تركيز الطلاب من خلال السماح لهم بتجربة محتوى الدرس في جوّ من المرح والتفاعل والإشراك الذي يزيد من الاهتمام.

وتظهر إحدى الأمثلة عن تطبيق الواقع الافتراضي التعليمي في "عالم كومينيوس" (The World of Comenius)، وهو برنامج تعليميّ يوظف وحدة التحكّم بالحركة وسماعات Oculus Rift DK2 المكيّفة خصيصًا ليرى الناس أجسام لم تكن ممكنة من قبل مثل استكشاف الذرات والسباحة في الخلايا أو الاجتماع بأشخاص من التاريخ واستكشاف البيئة التي يعيشون فيها. وثمّة برنامج آخر هو برنامج رواد البعثات (Pioneers Expeditions)، الذي أطلقته جوجل في العام الماضي، والذي يوفّر للمدارس تجهيزات تحتوي على كلّ ما يحتاجه المعلّمون لأخذ طلابهم في رحلات مدرسية افتراضية متزامنة. كما بدأ الواقع الافتراضي بلعب دور في التعلّم عن بعد، مع إلقاء الأساتذة محاضرات في الواقع الافتراضي، وتسليم برامج شهادات في الواقع الافتراضي بالكامل، مثل برنامج شهادة LEAD الذي تقدّمه كلية ستانفورد لإدارة الأعمال.

وقد اعتمدت اليوم عدد قليل من المدارس والمناطق تكنولوجيا الواقع الافتراضي. ومع ذلك، ثمّة زيادة كبيرة في الشركات المخصّصة لتزويد المدارس بمنهاج/محتوى تعليمي وتدريب المعلّمين والأدوات التكنولوجية للتعليم القائم على الواقع الافتراضي في الفصول الدراسية. ومع تقدّم تقنيات الواقع الافتراضي باطراد وبما أنّها أصبحت أكثر انتشارا وقابلة للوصول إليها، لا بدّ من أنّها تقوم بتحويل الطرق التي تسمح للناس بالتعليم والتعلّم والمشاركة مع الآخرين وتجربة العالم بأسره. وقريبًا، سيتطوّر التعليم من الكتب والأقلام لاستخدام التكنولوجيا الغامرة ومزج أفضل ما في العالم الحقيقي والعالم الافتراضي لتقديم المعرفة والفهم.

 

Comments   

Catch up on what you've missed