فرصة التسويق الحقيقيّة للواقع الافتراضي

Afkar Barakeh, Jun 21 2017

قبل ثمانية وعشرين عامًا، قام عالم حاسوبيّ إنجليزي يدعى تيم بيرنرز-لي في المنظمة الأوروبية للبحوث النووية (المعروفة باسم CERN) بإنشاء أول اقتراح للشبكة العالمية. وأدّى اختراعه إلى تغيير وضع البشرية إلى الأبد وخلق عالم افتراضي جديد ضمن جيل واحد.

في حين أنّ شبكة الإنترنت لم تكن ثمار نجاح حصل بين عشية وضحاها، إلا أنّها أثّرت في بضع سنوات فقط، على الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم. وقد أصبح معظمنا يعتمد كليًّا على تدفّق المعلومات التي توفّرها هذه الشبكة، حيث أصبح الناس الآن قادرون على الوصول فورًا إلى المعلومات وتبادل الأمور بطريقة غير ممكنة للأجيال السابقة، ما ساهم في نهاية المطاف إلى توفير فترة من أكثر فترات النموّ الاقتصادي ازدهارًا في التاريخ.

ويحمل اليوم ظهور الواقع الافتراضي وعدًا مماثلاً ليصبح واحد من أفضل التقنيات المبتكرة في العقد المقبل. ومع أنّها لا تزال جديدة، إلا أنّها أصبحت الأداة التي تستعين فيها الشركات للتسويق، حيث تتسابق للاستفادة منها لتطوير تجاربها الغامرة الخاصّة بها.

فجر الواقع الافتراضي

وفقًا لمؤسسة البيانات الدولية (IDC)، زادت شعبية منصات الواقع الافتراضي بشكلٍ كبير على مدى السنوات القليلة الماضية، ومن المتوقع أن يصل إلى 171 مليون بحلول عام 2018. وقد ازداد اعتماد هذه التقنيات حيث تشهد المؤسسات اليوم تحول رقمي على نطاق واسع. وتتوقع مؤسسة البيانات الدولية أن يزداد هذا الاتجاه بمعدل سريع جدًّا على مدى السنوات الأربعة المقبلة، ويغير الطريقة التي تعمل بها الشركات ويعيد تشكيل الاقتصاد العالمي.

باستخدام تقنيات الأجهزة والبرمجيات المحددة، يمكن للواقع الافتراضي تكرار أو حتى خلق بيئة محاكاة بالكامل. وعلى عكس واجهات المستخدم التقليدية، يغمس الواقع الافتراضي المستخدمين في الخبرات الإلكترونية من خلال محاكاة العديد من الخبرات الحسية الواقعية قدر الإمكان. لتوضيح ذلك بشكل أفضل، تخيّلوا أنّكم قادرين على التجول في السوبر ماركت المحلي من خلال صالة عرض افتراضية من غرفة النوم واستخدام وحدات تحكّم باليد من أجل إضافة السلع إلى عربة التسوق الافتراضية، أو تصفّح المنتجات الافتراضية على رفوف المتاجر، حيث لا يمكن حصر الاحتمالات.

ماذا يعني ذلك للمسوقين؟

يوضح إلياس أبو جودة، وهو أستاذ في جامعة ستانفورد، أنّ الواقع الافتراضي هو الخطوة التالية الطبيعية في التجربة الرقمية وقدراتها تتجاوز أكثر بكثير أي من التقنيات السابقة. ويصف الواقع الافتراضي بأنّه "الإنترنت الذي يعمل على المنشطات"، لأنّ هذه المنصة الجديدة هي أقوى من أيّ شيء شهده العالم من قبل، وهي أكثر إقناعًا بكثير.

بالنسبة للمسوقين، تشير الطبيعة الغامرة للواقع الافتراضي إلى إعادة النظر في العديد من حملاتهم للحفاظ على العملاء الحاليين وجذب عملاء جدد على حدّ سواء. ومع استمرار تطور تقنيات الواقع الافتراضي، سيعتاد المستهلكون على التجارب الافتراضية للعلامة التجارية، ما يتطلّب من الشركات إنشاء مبادرات أكثر تفاعلية.

تركيز على رواية القصص

تكتسب رواية القصص شعبية في المشهد التسويقي منذ بعض الوقت اليوم، وبخاصّةٍ منذ ظهور مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من المنصات التفاعلية. ويُعتبر سرد القصص نهجًا قويًّا يمكن أن يساعد الشركات في التواصل مع العملاء بطريقة لا يمكن للتسويق التقليدي أن يقوم بها. ويمكن للقصص أن تنقل الرسائل التي يمكن للعملاء الشعور بالارتباط بها وبالتالي تكون أكثر عرضة للتذكّر.

يتيح الواقع الافتراضي للشركات الفرصة لإشراك العملاء بطرق لم يكن يمكن تخيلها سابقًا. ويسمح لها بسرد القصص الخاصّة بها من خلال المرئيات التفاعلية التي تخوض في الفردانية والهوية الفريدة من نوعها. ويمكن للواقع الافتراضي، على سبيل المثال، جلب العملاء إلى مكاتب الشركة ومساعدتهم في معرفة المزيد عن فرق العمل المختلفة ووظائفهم، وما تبدو عليه العمليات اليومية واستكشاف مساحة العمل نفسها، بحيث يصبح العملاء أكثر قدرة على بناء علاقات شخصية يتفاعلون من خلالها مع الشركات والمؤسسات.

خلق تجارب استثنائية

لا يمكن للجميع تحقيق الخبرات الفعلية والحسية الأكثر تميزا مثل تسلق جبل ايفرست أو التجديف إلى أسفل نهر كولورادو. ولكن يمكن للواقع الافتراضي أن يجعل الأحاسيس الناتجة عن هذه التجارب قابلة للتجربة من المنزل. وتعمل وكالة ناسا على تطوير البرمجيات لمحاكاة تجارب الفضاء الخارجي والمشي على سطح القمر أو المريخ.

إذا كانت هذه التجارب الخارجة عن العالم قابلة للتكرار ومتاحة للجميع، تكون إمكانيات التسويق للعلامات التجارية لامتناهية. ويمكن للفرق الرياضية بيع معجبيها الفرصة للعب الألعاب التفاعلية مع أفضل اللاعبين في فرقهم، في حين يمكن لتجار التجزئة بيع فرصة للحصول على مساحة تصميم لمصمّمي الأزياء الطموحين مع الإبداعات المفضّلة لديهم خلال أهم عروض الأزياء المقرّرة. ويحمل اعتماد تقنيات الواقع الافتراضي وعدًا كبيرًا للمسوقين في الصناعات الرئيسيّة.

العروض التوضيحية للمنتج الافتراضي

بخلاف تجارب البيع، يمكن للشركات أيضًا تزويد عملائها بإمكانية معاينة المنتجات من خلال الواقع الافتراضي قبل شرائها فعليًّا. ويمكن إقناع الأشخاص الذين يتردّدون في إنفاق مبالغ كبيرة على المنتجات بمجرّد رؤيتها فعليًّا. ويمكن برمجة أريكة أو طاولة طعام باهظة الثمن في منزل العميل المحتمل حتى يتمكّن من رؤية ما إذا ستكون مناسبة قبل شرائها وتركيبها، وبالتالي تجنّب عوائد باهظة الثمن.

وهذا الأمر يكون أكثر قيمة للمشتريات مثل السيارات أو المنازل، ما يوفّر على العملاء والباعة الرحلات والعروض المتكرّرة والمكلفة. لم يعد يتعيّن على الناس الذهاب إلى صالات العرض والمناطق المختلفة بحثًا عن السيارة المناسبة لاختبار القيادة؛ يمكنهم تنزيل المجموعة كلّها إلى سماعة الواقع الافتراضي وتجربتها في منازلهم.

ويمكن لهذه التكنولوجيا أن تؤدي إلى إعادة هيكلة كاملة للعلاقة بين العلامات التجارية والمستهلكين. وبما أنّها لا تزال في مراحلها التجريبية الأولى حيث تقتصر تطبيقاتها في الغالب على الألعاب، لم يصل المسوقون إلا لجزءٍ بسيط مما يمكن تحقيقه وتشير الدلائل المبكرة إلى أنّ تطبيقاتها تكاد تكون لا متناهية.

 

Comments   

Catch up on what you've missed