عندما يلتقي كلّ من الذكاء الاصطناعي والتعليم

Nadine Kahaleh , Aug 07 2017

كان جميعنا يكره المدرسة عندما كنّا صغارًا. إنّه السرّ الذي لا يكشفه أحد والذي كنّا نتوشوش به في القاعات والفصول الدراسية ونتشاركه في همسات مع زملاء المدرسة الآخرين. وقد كان التلميذ الأكثر ذكاءً حتّى يخفي جزءًا من هذا الشعور في أعماقه، ولكنّه كان يتباهى بعدم الاعتراف به. ولا عجب أنّ وجوهنا كانت قاتمة بعد أن كانوا يجعلوننا نستيقظ في الصباح الباكر طوال خمسة أيام في الأسبوع للاستماع إلى بعض الكبار الذين يخبروننا قصصًا كثيرة لا معنى لها!

 

لا تزال أساليب التعلّم المعاصرة تعاني من كونها ثابتة بشكلٍ رهيب؛ فهي بعيدة جدًّا عن إشراك المتعلّمين وصياغة أساليب تعليميّة تفاعليّة. أمّا اليوم وبفضل التقدّم التكنولوجي الذي ينتشر في كلّ مكان والدخول النوعي للذكاء الاصطناعي في العديد من القطاعات، شهدت الطريقة التي نقوم من خلالها بمعالجة المعلومات والتفاعل معها تحوّلاً جذريًّا من واجهات المستخدم المحادِثة (CUI) في الهواتف الذكية أو الأجهزة المنزلية إلى المحادثات الإلكترونية والمساعدات البشرية. إذًا، لماذا لا يحصل هذا التغيير في التعليم؟ يمكن للتعليم القائم على الذكاء الاصطناعي أن يساعد في فكّ الخطوات الصغيرة التي يمرّ بها الطلاب أثناء تعليمهم موضوعًا معيّنًا ومعالجة هذه البيانات لتحسين التجربة التعليميّة.

ووفقًا لتقرير بيرسون الذي صدر بعنوان "الكشف عن الذكاء"، يعمل الذكاء الاصطناعي بالاستناد إلى مكوّنين محدّدين - أولاً المعرفة حول العالم التي تتفاعل معه، وثانيًا، الخوارزميات الذكية لمساعدتها في معالجة هذه المعرفة. وعندما يتعلّق الأمر بالتعليم القائم على الذكاء الاصطناعي، ثمّة ثلاثة نماذج رئيسيّة تمثل هذه المعرفة عن العالم، وهي:

  • النموذج التربوي الذي يشير إلى النهج المختلف للتعليم؛

  • نموذج النطاق الذي يمثل الموضوع الذي يتمّ تدريسه للمتعلّم؛

  • نموذج المتعلّم في إشارة إلى الطالب.

فكيف إذًا يقدّم الذكاء الاصطناعي التعلّم الشخصي - من الناحية الفنية؟ من المفهوم العام، الآلية بسيطة الفهم. تعالج خوارزميات الذكاء الاصطناعي المعرفة التي تنتقل من النماذج الثلاثة المذكورة أعلاه لتحديد المحتوى الأنسب لتقديمه للمتعلّم، على أساس قدرات هذا الأخير واحتياجاته. في غضون ذلك، يقوم الذكاء الاصطناعي بتحليل أداء الطالب وتفاعلاته. ومن خلال جمع هذه التفاعلات وتحليلها، يقوم الذكاء الاصطناعي بتقدير الحالة الراهنة للطالب والتأكّد من أنّ تجربة التعلّم في وئام مع الوضع المعرفي والعاطفي للطالب.

Learning Jetsons

وبصرف النظر عن أتمتة المهام البسيطة وتوفير الوقت للمعلّمين، يقوم الذكاء الاصطناعي بتعزيز البرمجيات لتكييفها مع احتياجات الطلاب وتلبية وتيرة التعلّم الخاصّة بهم. وتنقسم هذه البرمجيات إلى ثلاث فئات: أنظمة التدريس الذكي والدعم الذكي للتعلّم التعاوني والواقع الافتراضي الذكي.

مع استخدام هذه البرمجيات الذكية، سيتمّ تحويل العديد من أساليب التدريس جذريًّا لتطوير المعلّم والطالب والعلاقة بين الاثنين معًا. وعلاوة على ذلك، ستقوم تقنيات الذكاء الاصطناعي بإحداث تأثير إيجابيّ: منهجيات التعلّم الشخصية التي تركّز على تجهيز المتعلّم بذكريات طويلة الأجل مخزّنة في العقل للاحتياجات المستقبلية والتعلّم القائم على الإتقان والذي يركّز على المضي قدمًا في المواضيع التراكمية عندما يكون الطالب قد أتقن كلّ المفاهيم التي تسبق ذلك، وأخيرًا التعلّم التجريبي الذي يمثل عملية التعلّم من خلال التدريب العملي على الخبرة.

أنظمة التدريب الذكي (ITS)

من خلال محاكاة تجربة الدروس البشرية الفردية، تقوم أنظمة التدريس الذكيّ بتعزيز الذكاء الاصطناعي لتقديم أنشطة التعلّم التي تلبي احتياجات الطلاب المعرفية؛ فهي توفّر ردود الفعل المستهدَفة في الوقت المناسب.

تستخدم أنظمة التدريس الذكيّ العديد من تقنيات التعلّم الآلي وخوارزميات التعلّم الذاتي التي تجمع مجموعات البيانات الكبيرة وتحلّلها، إلى جانب الشبكات العصبية. ويسمح هذا الجمع للأنظمة أن تقرّر حول نوع المحتوى الذي ينبغي تسليمه للمتعلّم.

إنّ المثال الصالح في هذا السياق هو منصّة نظام iTalk2Learn التي تعلّم الكسور وتستخدم نموذج المتعلّم الذي يخزّن البيانات حول المعرفة الرياضية للطالب، واحتياجاته المعرفية وحالته العاطفية وردود الفعل التي تلقاها واستجابته على هذه التغذية المرتدّة.

ومن ناحيةٍ أخرى، تستخدم أنظمة التدريس التي تعتمد على النماذج، عددًا من أدوات التعليم الإلكتروني التي تناسب تجربة التعلّم مع الحالات المعرفية والعاطفية لدى الطالب، وتسمح له بمناقشة السؤال الذي يجري تدريسه والتشكيك فيه، وتضمين نماذج المتعلّم المفتوحة التي تحفّز الطلاب من خلال إبقائهم على بيّنة من تقدّمهم، إلى جانب نماذج المحاكاة الاجتماعية التي تساعدهم في فهم هذا الموضوع من خلال فهم الثقافة والمعايير الاجتماعية وراء ذلك.

robot1

الواقع الافتراضي الذكي

يقوم مفهوم الواقع الافتراضي على تجارب محاكاة غامرة. فهو يخلق بيئة يحصل فيها المتعلّمون على فرصة لاستكشاف عناصر معيّنة والتفاعل والتعامل معها. وبالتالي تكون قادرة على استخدام هذه التجارب الافتراضية في العالم الحقيقي. ويمكن للطلاب اليوم استكشاف محطة للطاقة النووية أو التنقّل في شوارع روما القديمة أو الدوران حول الكواكب الخارجية.

University SandBox

إلى جانب الذكاء الاصطناعي، يصبح الواقع الافتراضي ذكيًّا ويقدّم أقصى حدّ من التجربة الافتراضية ويوفّر بيئة يمكن أن تتفاعل مع تفاعلات الطالب أو تستجيب لها. ويتمّ دمج الشخصيات الاصطناعية الذكية في العالم الافتراضي حيث يمكنها أن تؤدّي أدوارًا في سيناريوهات قد تكون خطيرة أو غير سارة للطالب.

في هذا السياق، نذكر FearNot، بيئة افتراضية ذكية قائمة على مفهوم المدرسة. ويعرض هذا النظام للطالب حوادث المضايقات بمثابة دراما افتراضية. ويمكن للطلاب الذين عانوا من المضايقة الانغماس كشخصيات فيها، مع استكشاف مشاكل المضايقة واستراتيجيات المواجهة الفعّالة.

تُعدّ Cherpa واحدة من الشركات الناشئة القليلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في مجال التعليم الميداني. إنّها منصّة على الإنترنت تعلّم الروبوتات والبرمجة. وقد أوضح إبراهيم عز الدين، المؤسس المشارك في الشركة، لشركة عرب نت، كيفية عمل المنصّة. يبدأ الطالب عن طريق اختيار واحد من العديد من المشاريع المتاحة (علم الفلك والطبّ والزراعة والقطاع الصناعي، وما إلى ذلك) يرافقه محادث إلكتروني ذكي يعمل بمثابة مدرّب افتراضي ويوجّهه طوال رحلته بأكملها. وعلاوة على الاختيار، يتمّ إعطاء الطالب لمحة عامة عن الدرس مع أهداف التعلّم. ثمّ، يقوم موضوع التعلّم ببناء الدائرة الفيزيائية وترقيمها. عندما يقوم المحادث الإلكتروني الذكي بالتحقق من أنّ الدائرة خالية من الأخطاء، يدخل الطالب في عالم افتراضي تتفاعل معه الدائرة الفعلية. على سبيل المثال، إذا قام الطالب ببناء عصا تحكّم، يتمّ دمج هذا الإنتاج في مهمّة فضائية افتراضية إلى المريخ للناسا. وتقوم كلّ مهمّة منجزة بفتح درسٍ جديد.

ويكون لهذه التجربة القدرة على عدم إثقال الطلاب بما يعتبره عالِم التعلّم، كريس ديدي، "الذكاء المحاصَر"؛ فهي تسمح لهم بتغيير الطريقة التي ينظرون فيها إلى أنفسهم.

الذكاء التعاوني الذكي

أثبت التعلّم التعاوني أنّه وسيلة فعّالة من التعلّم إلى حدّ ما، إذ يشرك المتعلّمين في حوارات بناءة حول الموضوع الذي يجري تدريسه ويثير الشعور بالوعي والفضول في ذهن الطالب. كما أنّه يحفّز المتعلّم، ويزوّده بمهارات الاستباقية ضمن المجموعة.

ومع ذلك، فإنّ خلق الشعور بالتعاون بين أعضاء المجموعة يمكن أن يكون تحديًا كبيرًا. ويدعم التعليم القائم على الذكاء الاصطناعي العديد من النهج في هذا السياق:

  • تشكيل المجموعات التكيفية - يهدف الذكاء الاصطناعي إلى جانب البيانات عن كلّ متعلّم في الفصول الدراسية، إلى تصميم مجموعة من الطلاب الذين يتقاسمون المستوى المعرفي والمصالح المماثلة.

  • تيسير الخبراء - توفّر تقنيات الذكاء الاصطناعي أنماط التعاون التي تُستخدَم كدعم تفاعلي للطلاب المتعاونين. على سبيل المثال، نمذجة ماركوف، هو نهج يستخدم نظرية الاحتمالات لتمثيل النظم المتغيرة عشوائيا، ويحدّد استراتيجيات حلّ المشاكل التعاونية.

  • العملاء الافتراضيون - يمكنهم أن يعملوا بمثابة خبير مدرب أو معلّم ونظير افتراضي (طالب زميل مبتكر)، أو شخص على الطلاب تعليم أنفسهم عنه.

  • الاعتدال الذكي - باستخدام تقنيات التعلّم الآلي وتقنيات معالجة النصوص الضحلة، تساعد المعلّم في تحليل المناقشات حتّى الوصول إلى تعاون مثمر.

    Putting Theory to Practice

خلاصة

يُعتبر الذكاء الاصطناعي على أنّه يحدث تغييرا في قطاع التعليم حاليًّا، فهو القوة الوحيدة التي ستحرّر الطالب من تراكم الثغرات المعرفية، وفهم معنويات الطالب وقدراته المعرفية، وتزويده بالمسار التعليمي الذي يناسبه أكثر. ويمهّد التعليم القائم على الذكاء الاصطناعي الطريق للتعليم الشخصيّ.

وقد تساءل الكثيرون عما إذا كان إدماج الذكاء الاصطناعي في قطاع التعليم سيجبر المعلمين على التنحّي جانبًا. ولكنّ في الحقيقة، لا يقوم الذكاء الاصطناعي باستبدال المعلمين في الفصول الدراسية، بل سيحثهم فقط على تطوير مهارات البحث والإدارة الجديدة. ومع العمل معًا، سيحدث المعلمين وتقنيات الذكاء الاصطناعي ثورة في الأنظمة التعليمية.

 

Comments   

Catch up on what you've missed